في وقت تتزايد فيه الدعوات لحماية الإرث الثقافي والطبيعي في ​لبنان​، عاد موقع ​نهر الكلب​ الأثري إلى واجهة الجدل بعد الحديث عن تعديات تطال محيطه المباشر، رغم تصنيفه من أبرز ​المواقع الأثرية​ والتاريخية في البلاد. فالموقع الذي يحمل على صخوره نقوشاً ولوحات تؤرخ لمحطات مفصلية من تاريخ المنطقة، يجد نفسه اليوم أمام إشكالية جديدة تتعلق بأعمال إنشائية ومحاولة وضع علم ضخم بالقرب من الآثار، ما أثار اعتراضات من ناشطين وخبراء وجمعيات تُعنى بحماية التراث.

ويُعتبر موقع نهر الكلب من أبرز المواقع الأثرية المفتوحة في لبنان والشرق الأوسط، إذ يضم لوحات ونقوشاً تاريخية تركتها حضارات وجيوش مرّت عبر المنطقة منذ آلاف السنين، من الفراعنة والآشوريين والبابليين وصولاً إلى الرومان والعثمانيين والقوات الحديثة. ويتميّز الموقع بلوحاته المنقوشة على الصخور عند المدخل الساحلي التاريخي لبيروت، ما جعله شاهداً استثنائياً على التحولات العسكرية والسياسية التي عرفها لبنان عبر العصور. كما أُدرج الموقع على اللائحة التمهيدية للأونيسكو بغية تسجيله كموقع تراث عالمي.

وإذ يحمل الموقع كل هذه القيمة التراثية، إلا أنه يشهد اليوم، وفق معنيين بالملف، تعديات واضحة على محيطه الأثري بعد محاولة ​بلدية الضبية​ إقامة سارية لعلم يبلغ ارتفاعه نحو 30 متراً داخل المنطقة الحساسة المحيطة بالآثار.

وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس جمعية "أرض لبنان" ​بول أبي راشد​ عبر "النشرة" أن "قاعدة العلم التي تنوي بلدية الضبية وضعها تقع على مسافة قريبة جداً من الموقع الأثري"، مشيراً إلى أن "الجمعية تقدّمت بشكوى لوقف المشروع وإزالة التعديات". ويلفت إلى أنه "للقيام بمثل هذه الأعمال، لا سيما صب قاعدة إسمنتية بالقرب من موقع أثري وطبيعي كنهر الكلب، يفترض أولاً إجراء دراسة أثر بيئي، خصوصاً أن الموقع مُصنَّف طبيعياً وأثرياً". ويضيف: "بحسب الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، يجب أن تبقى أي أعمال بعيدة 50 متراً عن الموقع الأثري، وهذا ما لم يحصل في نهر الكلب".

ويشير أبي راشد إلى أنه تواصل مع وزير الثقافة ​غسان سلامة​ الذي أكد له أن وزارة الثقافة طلبت إزالة القاعدة الإسمنتية من الموقع، مشدداً على أن "العلم لم يُرفع حتى الآن، إلا أن القاعدة الإسمنتية لا تزال قائمة". كما أوضح أنهم تواصلوا أيضاً مع المدير العام للآثار ​سركيس خوري​. بدورها حاولت "النشرة" التواصل مع خوري للاستفسار عن الموضوع وعن الإذن الذي حصلت عليه بلدية الضبية، إلا أنها لم تتلقَّ أي جواب.

من جهتها، تؤكد الدكتورة الأثرية ​ياسمين معكرون​، التي تابعت الملف ميدانياً، أن "موقع نهر الكلب مُدرج على اللائحة التمهيدية للأونيسكو، ما يعني أن الدولة اللبنانية تسعى إلى تسجيله كموقع تراث عالمي". وتشدد على أن "ما يحصل حالياً يشكل تعدياً واضحاً على الموقع الأثري، إذ إن بلدية الضبية عمدت إلى صب قاعدة إسمنتية ضخمة لرفع علم بطول ثلاثين متراً داخل نطاق حساس جداً من الموقع".

وتوضح معكرون عبر "النشرة" أن "المحيط القريب من اللوحات الأثرية يُعتبر منطقة شديدة الحساسية، وأي تدخل عمراني أو بصري قد يؤدي إلى تشويه المشهد التراثي للموقع والإضرار بقيمته التاريخية". كما تلفت إلى أن "الأعمال جرت بصورة رسمية علنية، بعدما سمحت مديرية الآثار لبلدية الضبية بتنفيذها، ما يحمّلها مسؤولية مباشرة عمّا يحصل".

وفي ظل هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى الجهات الرسمية المعنية لاتخاذ خطوات واضحة تضمن حماية الموقع ومنع أي تشويه قد يطال هويته التاريخية، خصوصاً في وقت يسعى فيه لبنان إلى تعزيز حضوره الثقافي والحفاظ على إرثه الحضاري أمام العالم.